طوني مفرج

13

موسوعة قرى ومدن لبنان

500 ، 5 و 000 ، 5 قبل الميلاد . ومثلها المغارة الواقعة بالقرب من الجسر الروماني . يعجب المرء اليوم كيف أنّ خليجا يتمتّع بالمواصفات الطبيعيّة التي يتمتّع بها خليج جونيه ، الوحيد الواضح المعالم على الشاطئ الممتدّ بين غزّة إلى الجنوب ، والإسكندرونة عند حدود تركيا إلى الشمال ، لم يشهد نشاطا مرفئيّا مميّزا من قبل الفينيقيّين ، رغم أنّ شعوبا قديمة سكنت هذا المحيط من شاطئ شرقي البحر الأبيض المتوسّط منذ ستّة آلاف سنة ، بدءا بإنسان العرق المتوسّطي ، ومرورا بالفينيقيّين ومن عاصرهم وأعقبهم من شعوب . ولا بدّ للباحث من أن يتساءل عن سبب بقاء جونيه غائبة عن نادي المدن اللبنانيّة البحريّة الأثريّة من طرابلس حتّى صور مرورا بالبترون وجبيل وبيروت وصيدا . إنّ التفسير الوحيد لهذا اللغز ، هو في جغرافيّة المكان . ذلك أنّ السور الطبيعيّ الذي يحيط بخور جونيه من جهات البرّ من ناحية ، وقلّة موارد الجبل الذي يشكّل الامتداد البرّي لها من جهة ثانية ، حرما جونيه من النشاط الذي عرفته جبيل المنفتحة طبيعتها الخلفيّة على جبال كانت مكسوّة بأشجار الأرز ، ومثلها صيدا وصور ، كذلك كان المحيط الرحب لبيروت نحو الداخل والجبل دون عوائق عاملا في ازدهار المدينة . وحدها جونيه ، من بين جميع تلك المدن ، كانت عاصية من جهات البرّ ، وهذا ما سوف يجعلها تعرف في ما بعد ، مع منطقتها الداخليّة ، ب " العاصية " . وإذا كان لهذه المناعة الطبيعيّة حسناتها في بعض الظروف ، فإنّها كانت ، من جهة أخرى ، سببا في عدم اعتماد الفينيقيّين لمرفئها الطبيعي مرفأ حيويّا لأنشطتهم الملاحيّة والتجاريّة ، وقد اقتصر استعماله على جعله مربضا للسفن الجبيليّة في مأمن من الرياح والأعاصير التي يتعرّض لها مرفأ جبيل ، ومعملا لبناء السفن وإصلاحها .